الذكورية و ثقافة الاغتصاب

لماذا لا يعترف المجتمع بوجود ثقافة اغتصاب؟
من المرجح أن يكون السبب الرئيسي لعدم الاعتراف بوجود ثقافة الاغتصاب هو الخوف الأبوي من تحطم أسطورتين أساسيتين بنيتا كصورة نمطية لتفوق وهيمنة النظام الأبوي وهما: #الحماة و #الرعاة.
فلطالما روجت الأنظمة الأبوية للرجال ولتفوقهم الفكري والعضلي على المرأة لتحفظ مراكزهم كحماة الشرف وكمسؤولين على استمرار وتثبيت القيم الاجتماعية والحفاظ على "العرض" المتمثل بجسد المرأة، وبخروج المرأة من تحت تلك الحماية يتفشى حينها الانحلال الخلقي في المجتمع المحافظ.
كما دعت هذه الأنظمة إلى حراسة مفهوم الرعاية لدى الرجال، حيث يخيل لهم بأنهم هم الرعاة المتوارثون للأسرة والمرأة بشكل خاص، فالرجل في نظرهم هو الحائط الذي تستند عليه المجتمع والمرأة والأسرة والذي تحتاجه دوما للستر والشعور بالقوة والأمان والتكريم.

لكن يمثل الاعتراف بوجود ثقافة اغتصاب إقرارًا بفشل تلك الأنظمة السياسية والاجتماعية والدينية. وبالتالي يتصدّع مفهوميْ الحماة والرعاة وينهار المجتمع الأبوي القائم على الوصاية الجسدية على المرأة وهذا يعني طبعا ضياع السلطة وفقدان السيطرة. فجسد المرأة كما يقول الدكتور وعالم النفس مصطفى حجازي هو أهم أداة بأيدي المستبدين للسيطرة على مختلف فئات المجتمع. هذا ما يفسر أيضا الاغتصابات الجماعية التي تتعرض لها النساء والفتيات في الحروب، الاغتصابات والإنتهاكات في السجون، اختبارات كشف العذرية. كوسائل لكسر عظمة الشعوب واخضاعها.

كما أن رفض الاعتراف بوجود ثقافة الاغتصاب سببه ما يسمى بـ identity protective cognition أي تنبيه حماية الهوية ومن مظاهره هنا التعصب للجنس الذكري ورفض الاعتراف بقدرته على الخطأ وارتكاب الجرائم باعتباره الجنس الأسمى والأعلى درجة، خصوصا حين يكون الجاني شخصية مشهورة مدعومة ومؤيدة من قبل معجبين ومتابعين فيصبح التصديق هنا بمثابة طعنة نفسية للجنس الرمز.

وكنا قد شهدنا دفاع الكثيرين على سعد المجرد الذي اتهم بالاغتصاب من فتاة فرنسية في ظل تكذيب الضحية وتحقيرها واتهامها بتشويه صورته وبحثها عن الشهرة من خلاله، وحتى بعد إتهامه بنفس التهمة من قبل امرأة أخرى بعد مدة ليست بالطويلة، يظل المجتمع غارقا في أوهامه غير راغب في تصديق النساء وكأن غمامة ما نصبت أمام العينين ومرضا ما أصاب العقول.
في ثقافة الاغتصاب لا يكذب المجتمع وقوع الاغتصاب فحسب بل ويلقي بالذنب على كاهل الضحايا المعنّفات، حيث شهدت مؤخرا ساحة التواصل الاجتماعي تعليقات وحملات تجريم مكثفة تكذب زوجة وائل كفوري أنجيلا بشارة التي صرحت بتعرضها للضرب والاهانة والعزلة من قبل زوجها.
بالإضافة إلى حادثة الداعية الإسلامي حفيد مؤسس جماعة الاخوان طارق رمضان وتكذيب داعميه ل هيدا عياري إحدى ضحاياه عام ٢٠١٢ والتي انتقلت من كونها سلفية إلى ناشطة علمانية، حين قررت الخروج عن صمتها واتهمته بالاغتصاب، وبرغم استحواذ الشرطة على ٣٩٩ رسالة تحرش ذات محتوى جنسي مسيء من هاتفه.
الا أن الكثير من أتباعه ضجّوا غضبا وأعلنوا أنها مؤامرة على الإسلام والمسلمين وقاموا بتكفير هيدا وهددوها بالقتل.

نأتي إلى ما يعقب تصديق المجتمع للضحية واقتناعه بوجوب عقاب الجاني، حتى في هذه الحالة نراهم منغمسين في التبريرات الواهية لتكذيب وجود ثقافة اغتصاب والقول أنه "تصرف فردي لا يمثل جماعة" و"ليس حالة اجتماعية تستدعي الوقوف والحل" و"ليس له علاقة بالوصاية على المرأة"، وكونه مجرد حادث عرضي لا يمثل حالة ولا ثقافة بأكملها.
الآن، مهمتنا نحن كنساء مناضلات وناشطات نسويات أن ندحر ونستنكر هذا الادعاء لنثبت أنها سياسة قائمة بذاتها وثقافة منتشرة محمية بأنظمة وقوانين وتشريعات تبرر كل الانتهاكات بحقوق المرأة.
جل ما نسمعه من هؤلاء يتلخص في أننا نعيش في مجتمع "محافظ" يكرم المرأة، ذو قيم أخلاقية عليا تتمثل في الحفاظ على المرأة وحمايتها، ولكن الواقع هو شيء مغاير تماما فكل ما نشهده هو مجرد تبرير لنزوات ورغبات لرجال ذوي شهوة جنسية خارقة لا يستطيعون اثرها ضبط أنفسهم من جهة، واستفزاز الضحية اللعوب بملابسها وتصرفاتها التي جنت عليها من جهة اخرى.

واذا أردنا الوقوف على سبب انتشار ثقافة الاغتصاب وتجذرها في المجتمع سنجد أنها بنيت على النظرة الدونية للمرأة حيث أن ثقافاتنا ومجمعاتنا تضج بالعبارات والمصطلحات الدينية من قبيل"عورة" " ناقصة عقل ودين" " الرجال قوامون على النساء " ذكائها أقل من الرجل" " ثرثارة" " عاطفية" "قاصر" "كيدهن عظيم"، لايمكن الوثوق بأحكامها وأقوالها، مجتمع يصنفها كمخلوق ماكر ومخادع وكاذب يبعث الفتنة والشر. وبهذا الترويج الذكوري المتكرر أصبح للمرأة مكانة مهمشة في المجتمع ، بل وصل الأمر إلى خضوع واقتناع الكثير من النساء بعدم أهلية المرأة لا لإستلام المناصب ولا لإحتراف الطب فنجدها تفضل أن تعالج عند طبيب بدل طبيبة. كما تسارع بتصديق الاشاعات المسيئة عن النساء وتشرع في التبرير للرجل الجاني. هذه هي الصورة النمطية عن الأنثى، تلك المكانة الدنيئة في مجتمع "محافظ" جعلتها عرضة يوميا لشتى أنواع الانتهاكات والتسليع الجنسي والمساجنية.

دارين حسن حليمة
مؤسسة منظمة النسوية

إرسال تعليق

0 تعليقات