الام الكبرى عشتار

إنانا أو عشتار
“كل الديانات بدأت عشتارية، وكل سر من أسرار الطبيعة وحكمة من حكمها وخبيئة من خبايا النفس الإنسانية وعلاقة من علائق القوى الخفية قد أبانتها عشتار في كل جزء أو إشارة لبني البشر، عن طريق كاهناتها اللاتي كن منذ البداية صلة بين عالم البشر وعالم الآلهة. بذلك لعبت المرأة دور المعلم الأول في تاريخ الحضارة؛ فالمرأة أكثر حساً بالخفي والماورائي من الرجل وأكثر منه تديناً وإيماناً بالقوى الإلهية” (3) .
كانت لعشتار سلطات عديدة، مثل الجنس والرغبة وصفتها العذرية مبكرة في ديانات الشرق. هذا بالإضافة إلى قسوتها وعنفها الواضح. هذه الثنائية المتضادة مع بعضها ميزت الآلهة إنانا / عشتار وكان لها تأثير واضح جداً على الألوهيات المؤنثة الأخرى في الديانات الشرقية، وأكثرها تماثلاً مع إنانا / عشتار هي عناة الكنعانية.
ثنائية إنانا / عشتار، الجنس والعنف يمثلان بعضاً مهماً من سلطتها الدينية وغطرستها. وشخصيتها في ملحمة جلجامش كاشفة عن هذه الثنائية، فهي التي أرسلت (شمخت) إلى الصحراء لتلتقي مع أنكيدو / الإنسان الصحراوي المتوحش، وتعيد إنتاج شخصيته من جديد. وكان لجسدها وظيفة مركزية في ذلك، حيث وظف وفق آلية ابتكرتها البنية الذهنية العراقية، إنانا / عشتار هي التي خلقت أنكيدو من جديد وجعلته إنساناً عارفاً بالحياة وواعياً للحضارة، وهي أيضاً التي طلبت من الإله آنو إنزال الثور السماوي ليدمر الصديقين وأوروك لأنهما حقراها وأسمعاها كلاماً قاسياً ولاذعاً، وهي أيضاً استدعت نساء وفتيات أوروك واستقبلن الصديقين العائدين مزهوين بانتصارهما من غابة الأرز وهن يرددن كلاماً مؤكداً على بطولة الملك جلجامش وتميزه بين الأبطال الذين كان أكثرهم جمالاً. هذه الأفعال معطيات لتكوناتها الدينية المقدسة، ولعل أكثر عناصرها قوة وسلطة هو الجسد الشهوي، هذه السلطة الخارقة جعلت منها ذات وظائف متنوعة لكنها ثنائية كما أشرنا إلى ذلك.
ولابد من الإشارة إلى أن الجسد العشتاري وما تستدعيه هذه الآلهة مكملا للغواية، مثل الموسيقى والرقص والخمر. ويتضح هذا كله في أسطورة سرقة النواميس الإلهية من مدينة أريدو بعدما أغوت الإله أنكي وأسكرته؛ فأخذت النواميس الحضارية وهربت إلى مدينتها أوروك.
لم تظل إنانا / عشتار إلهة ثابتة، بل استدعت الظروف الموضوعية لها وظيفة جديدة هي الحرب والقسوة والسلطة الواسعة، لأن التحولات الاجتماعية / السياسية / الاقتصادية أثرت بشكل واضح على دويلات المدن وعاشت حروباً كثيرة، كان لها دور بتوحيدها في دولة واحدة وقوية كرست السلطة بيد الملك. وعرفت الحضارة الأكدية توسعاً إمبراطورياً في زمن سرجون الأكدي الذي توسع كثيراً، وبواسطة هذا التوسع تكرست وظيفة إنانا / عشتار أكثر وبرزت سلطتها العسكرية كقائدة تتقدم الجنود في معاركهم.. ولأن المقاتلين شباب، فلابد من توفير ما يشبع رغباتهم الجسدية ومراقبتهم ومعاقبتهم في آن.
ظهرت للآلهة إنانا / عشتار أختام اسطوانية “وتظهر الآلهة عشتار وهي تحمل العدة الحربية التي تبدو من خلف ظهرها. وفي يدها اليسرى تمسك آلة حربية أخرى، أما في يدها اليمنى فتمسك بالعصا والحلقة رمز القوة والسلطان وهي تسلمها إلى الملك زمريلم ملك مدينة ماري. عشتار آلهة الحرب وتبدو هنا وقدمها اليمنى فوق أسدها الذي يرمز لها ولقوتها، تضع على جسمها ثوباً أبيض مجملاً باللون الأحمر” (4)، و “ينحسر الثوب ليظهر رجلها اليمنى العارية وهي تزين رأسها بتاج مقرن باللونين الأبيض والأحمر”.(5)
والإلهة عشتار، آلهة الحرب، مأخوذ من مشهد محفور على ختم اسطواني ويظهرها وهي تحمل عدة الحرب أيضاً وتمسك بيدها اليمنى القوس والسهام، وتظهر جعب آخر مجمل بدوائر من المعدن الثمين كذلك يزين التاج زوج من القرون رمز الألوهية وفوق التاج نشاهد حلية على شكل نجمة نعرفها جيداً على ملابس الملوك والآلهة وخاصة في العصر الآشوري” .

إرسال تعليق

0 تعليقات